يُعد سوق العقارات المصري أحد أكبر الأسواق في الدولة من حيث القيمة الاقتصادية وعدد المعاملات، غير أن ثغرات قانونية وإجرائية عميقة تفتح الباب أمام حالات بيع العقارات أو الشقق أكثر من مرة، وتؤدي إلى نزاعات متكررة في المحاكم. واحدة من أبرز المشكلات التي تواجه السوق هي ارتفاع معدلات العقارات غير المسجلة رسميًا، حيث تشير تقارير إلى أن ما بين 90% و95% من العقارات في مصر غير مسجلة في السجل العقاري الرسمي، وذلك بسبب الإجراءات الطويلة والبيروقراطية المرتفعة سابقًا، مما يؤدي إلى اعتماد عقود عرفية أو ابتدائية بدلًا من عقود مسجلة في مصلحة الشهر العقاري والتوثيق.
الاعتماد على العقود الابتدائية غير المشهرة قانونيًا يخلق بيئة تسمح للبائع ببيع العقار أكثر من مرة لأشخاص مختلفين، لأن هذه العقود تمنح المشترين حقوقًا تعاقدية شخصية لكنها لا تمنح ملكية كاملة حتى يتم تسجيل العقد النهائي في السجل العقاري. القانون المصري، وخصوصًا بعد التعديل، يوضح بجلاء أن الملكية العقارية لا تُعد مكتسبة أو قابلة للإثبات أمام الغير إلا بعد تسجيل العقد في الشهر العقاري، وبناء عليه فإن الأطراف التي تعتمد على عقود غير مشهرة تكون في موقف ضعيف في حال النزاع القانوني.
قانون رقم 9 لسنة 2022 بتعديل أحكام قانون التسجيل العقاري رقم 114 لسنة 1946 جاء كرد فعل على هذه الأزمة الهيكلية في السوق. من بين أهم التعديلات التي أدخلها هذا القانون وضع سقف زمني لإنهاء إجراءات تسجيل العقارات لا يتجاوز 30 يومًا من تاريخ تقديم طلب التسجيل، مع إضافة فترة للنظر في التظلمات تمتد إلى 37 يومًا كحد أقصى، بدلًا من إجراءات قد تمتد لسنة أو أكثر في السابق، وأصبح التسجيل يتطلب فقط البيانات الشخصية لكل طرف وخريطة رسمية رقمية للعقار، كما تم فصل ضريبة التصرفات العقارية عن إجراءات التسجيل بحيث لا تشكل عائقًا قانونيًا أمام عملية الشهر العقاري.
نصت التعديلات على عدم اشتراط إثبات تسلسل الملكية الكامل للكافة السابقين كشرط أساسي للتسجيل، وهو ما كان عقبة كبيرة في الماضي، كما سمحت بالتسجيل لمن عاش في العقار 15 سنة أو أكثر كأصل في التسجيل، أو لمن امتلك عقدًا ابتدائيًا لمدة 5 سنوات، دون الحاجة لإثبات التاريخ الكامل لسلسلة الملكية السابقة. هذه التعديلات القانونية أدت إلى تقليص فرص تزوير السجلات أو تضارب العقود، لكن مع ذلك يبقى الاعتماد على العقود غير المسجلة سببًا رئيسيًا في النزاعات.
في الواقع القانوني، إذا باع المالك العقار نفسه لأكثر من مشتري، فإن الأحقية القانونية للملكية تعود لمن قام بتسجيل عقده أولًا في مصلحة الشهر العقاري، حتى لو كان هو آخر شخص اشترى العقار ويملك العقد النهائي، لأن التسجيل يُعتبر نقلًا فعليًا للحق العقاري، بينما العقود غير الرسمية تظل التزامات شخصية بين الطرفين فقط. هذا يعني أن المشتري الذي لم يُسجل العقد في السجل العقاري قد يخسر حقه في الملكية لصالح مشتٍّ آخر قام بالتسجيل أولًا، وهو ما يجعل سوق العقارات في بعض الحالات بيئة محفوفة بالمخاطر القانونية إذا لم يتم التسجيل على الفور بعد توقيع العقد.
من الناحية العملية، قد يؤدي تأخر التسجيل وعدم مراجعة السجل العقاري من قبل المشتري إلى تضارب في الملكية ثبتته بيانات السوق والإحصاءات، لأن العقار غير المسجل يكون بالأساس غير مرصود في قاعدة بيانات رسمية. بيانات السوق تشير إلى حاجة سوق العقارات المصري إلى قاعدة بيانات قوية وموحدة للعقارات، وهو ما سيسهم في الحد من حالات البيع المتعدد والنزاعات، لكن هذه العملية ما زالت تعمل على تطوير نفسها تدريجيًا.
يتمثل أحد أهم جوانب حفز التسجيل في أن القانون الجديد وضع حد أقصى للرسوم الإدارية لتسجيل العقار لا يتجاوز نحو 3900 جنيه مصري للوحدة، مما يجعل التسجيل أكثر قدرة على التحمل للمواطنين بالمقارنة مع الفترة السابقة، بالإضافة إلى إلغاء شرط تقديم إثبات كامل لسلسلة الملكية القديمة كشرط للتسجيل.
من جهة أخرى، يبقى على المشتري أن يتحقق من أصالة ملكية البائع ووثائق العقار الأساسية قبل إبرام أي عقد، وأن يستعين بمحامٍ مختص للتحقق من السجل العقاري الحالي والتأكد من عدم وجود أي عقد آخر منشور مسبقًا على نفس الوحدة العقارية. وفي حال ظهرت عقود متعددة على نفس العقار، فإن النظام القضائي المصري يركز على أسبقية التسجيل في السجل العقاري باعتبارها الأداة الأساسية لحماية الملكية ضد الغير، مما يجعل عملية التسجيل هي المفتاح القانوني لحماية حقوق الملكية وتقليل النزاعات المستقبلية.
بمقارنة الوضع قبل التعديلات وبعدها، يتضح أن النظام القانوني الجديد قلص بشكل كبير المسافات الزمنية والإجرائية أمام تسجيل الملكية، وهو ما يؤدي نظريًا إلى تقليل حالات البيع المزدوج عبر تشجيع الأطراف على التحول من العقود الابتدائية غير المشهرة إلى عقود نهائية مُسجلة رسميًا في السجل العقاري، وبالتالي تعزيز الشفافية وحماية الثروة العقارية للأفراد والدولة على حدٍ سواء.
ختامًا.. فإن بيع الشقق مرتين في سوق العقارات المصري ليس ناتجًا عن مجرد غش أو نية سيئة فحسب، بل هو نتيجة لثغرات هيكلية في نظام التسجيل العقاري القديم، ومع ذلك فإن التطورات القانونية والتيسيرات الحديثة تُعد خطوة قوية نحو الحد من هذه الظاهرة إذا ما التزم البائع والمشتري بإجراءات تسجيل العقود بسرعة وبدقة. تسجيل الملكية في مصلحة الشهر العقاري هو العامل الحاسم في تحديد من يمتلك الحق القانوني الأمثل في الملكية، وضمان استقرار السوق وتقليل النزاعات المستقبلية في مصر.





.jpg)




















































