منذ 1 ساعة 0 38 0
دكتورة فاتن فتحي تكتب: نقص التدريب وتدني الأجور وضعف الحماية القانونية.. الوجه الخفي لمعاناة كوادر التمريض المنزلي
دكتورة فاتن فتحي تكتب: نقص التدريب وتدني الأجور وضعف الحماية القانونية.. الوجه الخفي لمعاناة كوادر التمريض المنزلي

أصبح التمريض المنزلي خلال العقدين الأخيرين أحد الأعمدة غير المرئية لمنظومات الرعاية الصحية الحديثة، في ظل تزايد أعداد كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والحالات التي تتطلب رعاية طويلة الأمد خارج المستشفيات. هذا النمط من الرعاية لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة صحية واقتصادية واجتماعية، إذ يوفّر للمريض متابعة طبية وتمريضية مستمرة داخل منزله، ويمنحه شعورًا بالأمان والاستقرار النفسي وسط أسرته، مع تقليل مخاطر العدوى المصاحبة للإقامة الطويلة بالمستشفيات وتحسين معدلات التعافي وجودة الحياة.

 

من الناحية الصحية، يساهم التمريض المنزلي في تخفيف الضغط عن المستشفيات وأقسام الطوارئ، خاصة في الدول التي تعاني من عجز في عدد الأسرة والكوادر الطبية. وتشير دراسات دولية إلى أن الرعاية المنزلية المنظمة تقلل من معدلات إعادة دخول المستشفى لبعض الفئات المرضية بنسبة تصل إلى 60–70٪، خصوصًا بين مرضى القلب وكبار السن، كما تحسن الالتزام بالعلاج وتخفض معدلات المضاعفات. أما اقتصاديًا، فيُعد التمريض المنزلي أقل كلفة من الإقامة الطويلة بالمستشفيات، حيث تبيّن بيانات منشورة أن التحول الجزئي إلى الرعاية المنزلية يمكن أن يحقق وفرًا يتراوح بين 30 و40٪ من إجمالي تكلفة الرعاية الصحية للحالات طويلة الأمد، وهو ما ينعكس إيجابيًا على ميزانيات الدول وعلى الأسر في آن واحد. اجتماعيًا ونفسيًا، يوفّر العلاج في المنزل بيئة أكثر إنسانية للمريض، ويخفف من حدة القلق والاكتئاب المرتبطين بالعزلة داخل المؤسسات الصحية، كما يتيح للأسرة دورًا إيجابيًا في خطة العلاج تحت إشراف مهني.
ورغم هذه الأهمية المتعددة الأبعاد، يواجه قطاع التمريض المنزلي صعوبات حقيقية ومعقدة تحدّ من تطوره واستدامته. في مقدمة هذه الصعوبات يأتي النقص الواضح في أعداد الكوادر المؤهلة والمدربة، إذ تشير تقارير دولية إلى أن أكثر من 70٪ من جهات تقديم الرعاية المنزلية تعاني صعوبة في استقطاب ممرضين ومقدمي رعاية مؤهلين، بينما يعمل جزء غير قليل من القوى العاملة دون تدريب تخصصي كافٍ. وتُظهر البيانات أن ما يقرب من نصف العاملين في هذا المجال لا يحصلون إلا على تدريب أولي محدود عند بدء العمل، دون برامج تطوير مهني مستمرة، وهو ما ينعكس على جودة الخدمة وقدرة الكوادر على التعامل مع الحالات المعقدة.
إلى جانب نقص الكوادر، تبرز أزمة الأجور وتدني المقابل المادي مقارنة بحجم الأعباء الجسدية والنفسية للمهنة. فالتمريض المنزلي يتطلب ساعات عمل طويلة، وتعاملاً مباشرًا مع حالات مرضية حرجة أو مزمنة، وتحمل مسؤوليات كبيرة داخل بيئات عمل غير تقليدية. ومع ذلك، تشير الإحصاءات إلى أن متوسط دخل العاملين في هذا القطاع في العديد من الدول أقل من متوسط الدخل في المستشفيات، بل وأحيانًا أقل من الحد الأدنى المعيشي، مع غياب التأمين الصحي أو المزايا الوظيفية في كثير من الحالات. هذا الواقع جعل التمريض المنزلي مهنة طاردة، وأسهم في ارتفاع معدلات التسرب الوظيفي، حيث تصل معدلات دوران العمالة في بعض الدول إلى أكثر من 70٪ سنويًا، ويغادر أكثر من ثلث العاملين وظائفهم خلال الأشهر الأولى من التعيين.
وتتفاقم هذه التحديات بسبب الفهم الخاطئ لدور التمريض المنزلي لدى بعض الأسر والمرضى أنفسهم، حيث يحدث خلط بين مهام الممرض المنزلي والمهام الطبية المتخصصة أو حتى الأعمال المنزلية غير الصحية. هذا الخلط يؤدي إلى تحميل الكوادر مسؤوليات خارج نطاق عملها المهني، ويخلق توترات نفسية وضغوطًا إضافية تقلل من الرضا الوظيفي وتؤثر على جودة الرعاية المقدمة. كما يسهم ضعف الثقافة المجتمعية حول حدود ودور التمريض المنزلي في إضعاف العلاقة المهنية بين مقدم الخدمة والأسرة، ويزيد من حالات النزاع وسوء التقدير.
وتُعد قلة برامج التدريب المنظمة والتطوير المهني المستمر إحدى الإشكاليات الجوهرية في هذا القطاع، إذ لا تزال العديد من الدول تفتقر إلى مسارات تدريب معتمدة ومتخصصة للتمريض المنزلي، على عكس التخصصات التمريضية الأخرى داخل المستشفيات. هذا القصور يحد من قدرة العاملين على مواكبة التطورات الطبية والتكنولوجية، ويضعف من فرص بناء كوادر محترفة قادرة على تقديم رعاية منزلية آمنة وفعالة وفق معايير واضحة.
كما تواجه كوادر التمريض المنزلي إشكالية مركبة تتجاوز الإطار المهني والطبي لتدخل إلى دوائر اجتماعية وأسرية شديدة الحساسية، حيث يجد الممرض أو مقدم الرعاية نفسه في كثير من الحالات مُقحمًا داخل خلافات عائلية تتعلق بإدارة شؤون المريض، أو توزيع الأدوار والمسؤوليات بين أفراد الأسرة، أو حتى نزاعات مالية واجتماعية لا تمت بصلة مباشرة للعلاج. وجود الكادر التمريضي داخل المنزل على مدار ساعات طويلة يجعله شاهدًا غير مقصود على هذه التوترات، وفي أحيان كثيرة طرفًا يتم تحميله ضغوطًا نفسية أو اتهامات متبادلة بين أفراد الأسرة، ما يضعه في موقف مهني وإنساني بالغ التعقيد ويؤثر سلبًا على تركيزه وجودة الرعاية المقدمة.
وتتفاقم هذه المشكلة في ظل غياب أطر قانونية واضحة تحمي كوادر التمريض المنزلي من التدخلات غير المهنية أو من تحميلهم مسؤوليات لا تدخل ضمن اختصاصهم، إذ يعمل كثير منهم دون عقود مُحكمة أو مظلة قانونية صريحة تحدد حقوقهم وواجباتهم داخل المنزل. هذا الفراغ التشريعي يجعل الكوادر عرضة للمساءلة المجتمعية أو القانونية في حالات النزاع، حتى وإن لم يكن لهم دور مباشر فيها، فضلًا عن ضعف الحماية في حالات الاعتداء اللفظي أو النفسي، وأحيانًا الجسدي. كما أن غياب التأمين المهني والتأمين ضد مخاطر العمل يزيد من هشاشة وضعهم الوظيفي، حيث يعمل عدد كبير من مقدمي التمريض المنزلي دون تغطية تأمينية صحية أو قانونية تحميهم من تبعات الأخطاء غير المقصودة أو الظروف الطارئة داخل بيئة العمل المنزلية. هذا الواقع يعمّق شعور عدم الأمان الوظيفي، ويجعل المهنة أكثر طردًا للكوادر المؤهلة، ويطرح تساؤلات جوهرية حول استدامة التمريض المنزلي ما لم تُعالج هذه الثغرات القانونية والتأمينية بشكل جاد ومنهجي.
هذه التحديات لا تنعكس فقط على الكوادر، بل تمتد آثارها إلى الدولة والأسرة والنظام الصحي ككل. فضعف جودة التمريض المنزلي أو عدم استقراره يؤدي إلى زيادة معدلات دخول المستشفيات، وارتفاع التكاليف الصحية على المدى الطويل، وتحميل الأسر أعباء نفسية ومالية إضافية، فضلًا عن إهدار فرصة استراتيجية لتطوير نموذج رعاية أكثر كفاءة واستدامة.
إن تجاوز هذه العقبات يتطلب رؤية عملية شاملة تبدأ بإعادة الاعتبار للتمريض المنزلي كجزء أصيل من المنظومة الصحية، وليس خدمة هامشية. ويتطلب ذلك الاستثمار في برامج تدريب وتأهيل معتمدة، وتحسين الأجور وظروف العمل، ووضع أطر تنظيمية واضحة تحدد مهام ومسؤوليات الكوادر، إلى جانب حملات توعية مجتمعية تشرح دور التمريض المنزلي وحدوده المهنية. كما أن دمج هذا القطاع في السياسات الصحية الوطنية وتخصيص موارد مالية وبشرية كافية له، من شأنه أن يحوّله من حل مؤقت إلى ركيزة استراتيجية تخدم الدولة والأسرة والمريض في آن واحد.
في المحصلة.. يظل التمريض المنزلي أحد أكثر قطاعات الرعاية الصحية قدرة على تحقيق معادلة التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والبعد الإنساني، لكنه في الوقت نفسه من أكثر القطاعات احتياجًا إلى إصلاحات هيكلية جادة تعيد بناءه على أسس مهنية عادلة، تضمن كرامة العاملين وجودة الرعاية واستدامة المنظومة الصحية ككل.
سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

sss

شارك وارسل تعليق

أخبار مقترحة

بلوك المقالات

الصور

أخر ردود الزوار

الكاريكاتير

أخبار الدوري المصري

استمع الافضل