منذ 7 ساعة 0 24 0
مالك السعيد المحامي يكتب: المؤتمر العربي للمحاماة.. حوار الضرورة وتحديات التنافسية العابرة للقارات
مالك السعيد المحامي يكتب: المؤتمر العربي للمحاماة.. حوار الضرورة وتحديات التنافسية العابرة للقارات

خلال دورته العاشرة والتي عقدت بالقاهرة الأسبوع الماضي  بحضور ممثلي 14 دولة عربية اختار المؤتمر العربي للمحاماة أن يفتح نقاشًا جادًا حول قضايا التنظيم المهني، والتسويق القانوني المسؤول، ومستقبل الخدمات القانونية في ظل العولمة والتطور التكنولوجي، بما في ذلك تصاعد دور المكاتب القانونية الكبرى، وتزايد النزاعات العابرة للحدود، وتنامي الحاجة إلى محامٍ عربي يمتلك أدوات حديثة دون أن يفقد التزامه بقيم المهنة وأخلاقياتها. وقد استهدف المؤتمر استعراض أطر تنظيمية جديدة تسمح بالترويج المهني المنضبط، مع استلهام أفضل الممارسات العالمية بهدف تمكين المحامين من تطوير هوياتهم المؤسسية وتحسين قدرتهم التنافسية في سوق الخدمات القانونية.

 

لقد جاء انعقاد المؤتمر ليؤكد أن هذا الحدث لم يعد مجرد ملتقى مهني دوري، بل أصبح منصة عربية راسخة لطرح قضايا مهنة المحاماة المعاصرة ومناقشة التحولات التي تشهدها في سياق إقليمي ودولي متغير. انعقد المؤتمر على مدار يومين بفندق سوفتيل نايل داون تاون بالقاهرة، بمشاركة واسعة من ممثلي نقابات وجمعيات المحامين وخبراء القانون من أكثر من أربع عشرة دولة عربية، في مشهد يعكس اتساع دائرة الاهتمام العربي بإعادة تعريف دور المحامي وحدود ممارسته في عالم يشهد تنافسًا قانونيًا متسارعًا.
وإضافى إلى سعادتي بالمشاركة بهذا الحدث القانوني الدولي الكبير وفي هذا السياق، تناولت خلال كلمتي الإطار التنظيمي الحالي لمهنة المحاماة في العالم العربي، وما يواجهه من تحديات حقيقية ومتراكمة، يأتي في مقدمتها غياب رؤية تنظيمية حديثة وشاملة، قادرة على تحقيق التوازن بين هيبة المهنة التاريخية التي تشكلت عبر عقود طويلة من النضال والدفاع عن الحقوق والحريات، وبين متطلبات المنافسة العالمية وسوق الخدمات القانونية الدولية، الذي لم يعد يعترف إلا بالكفاءة، والاحتراف المؤسسي، والقدرة على العمل وفق معايير مهنية دقيقة ومتطورة.
لم تكن مشاركتي في المؤتمر العربي العاشر للمحاماة مشاركة بروتوكولية أو حضورًا شكليًا، بل جاءت انطلاقًا من إيمان راسخ بدور المحامي العربي في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ المهنة، وبحاجة المحاماة العربية إلى وقفة جادة مع الذات، وحوار مهني صريح حول مستقبلها في ظل عالم قانوني يتغير بوتيرة متسارعة. عالم تفرض ملامحه الجديدة العولمة، وتسارع التطور التكنولوجي، وتدويل النزاعات، واتساع نطاق الاستثمارات العابرة للحدود، بما يحتم إعادة النظر في أدوات الممارسة القانونية وآفاقها التنظيمية والمهنية.
المؤتمر العربي للمحاماة ليس حدثًا معزولًا، بل جزء من مسيرة تطور مستمرة بدأت منذ عام 2017، حيث أصبح الملتقى منصة منتظمة لبحث شؤون صناعة المحاماة، ومناقشة المستحدثات القانونية، والاطلاع على أبرز المستجدات المهنية في العالم العربي. وقد أسهمت هذه الفعاليات المتعاقبة في خلق مساحة حوار عربي جاد حول معايير العمل القانوني، والسعي نحو تكامل مهني ينسجم مع المعايير الدولية، بما يعزز موقع المحامي العربي في منظومة العدالة العالمية.
وتكمن أهمية هذه المؤتمرات في أنها لا تكتفي بطرح الرؤى النظرية، بل تسعى إلى بلورة توصيات عملية تهدف إلى تحديث البنية التنظيمية للمهنة، وتطوير آليات الممارسة القانونية، وتبني استراتيجيات تسويق مهني تراعي أخلاقيات المهنة وتستجيب في الوقت ذاته لمتطلبات السوق. كما تشكل جلسات المؤتمر وورش العمل المتخصصة منصة مهمة لمناقشة تأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على العمل القانوني، ودور الأدوات الرقمية في إعادة تشكيل أساليب التقاضي، والتحكيم، وإدارة القضايا.
وفي هذا السياق، يكتسب شعار المؤتمر المتعلق بالتسويق المهني في عصر المنافسة أهمية خاصة، إذ لم تعد المنافسة في سوق الخدمات القانونية مسألة محلية، بل أصبحت عالمية الطابع، تفرض على المحامي العربي تطوير مهاراته التواصلية والمؤسسية، وبناء حضوره المهني بشكل منضبط ومسؤول، دون الإخلال بثوابت المهنة أو القيم التي قامت عليها. فالتعريف بالخدمة القانونية وبناء الصورة المهنية باتا جزءًا لا يتجزأ من الثقة العامة في المحامي ودوره داخل المجتمع.
لقد بات واضحًا أن كثيرًا من التشريعات المنظمة لمهنة المحاماة في دولنا العربية ما زالت أسيرة منطق تقليدي لا يواكب التحولات المتسارعة في طبيعة العمل القانوني، ولا يستجيب لتحديات الذكاء الاصطناعي القانوني، والتحكيم الدولي، وتوسع المكاتب القانونية متعددة الجنسيات، وتزايد الطلب على التخصص الدقيق في فروع القانون المختلفة.
ومن هنا، تبرز القناعة بأن تطوير مهنة المحاماة لا يعني المساس بثوابتها أو التفريط في قيمها، بل على العكس، هو السبيل الحقيقي لحمايتها. فالمهنة لا تُصان بالجمود، وإنما تُحمى بتحديث أدواتها، وتطوير تشريعاتها، وإعادة النظر في آليات ممارستها، بما يليق بمكانة المحامي العربي، ويؤهله للقيام بدوره الإقليمي والدولي بثقة واقتدار.
إن الانتقال بالمحاماة العربية من الإطار المحلي إلى الأفق الإقليمي والدولي لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة مهنية واقتصادية تفرضها طبيعة السوق القانونية الحديثة. فالمستثمر الأجنبي، والنزاعات التجارية الدولية، واتفاقيات التجارة والاستثمار، جميعها تخلق واقعًا جديدًا لا مكان فيه للممارسة الفردية المنعزلة أو التشريعات المنغلقة.
وتأتي هذه المشاركة امتدادًا لرسالتنا المهنية في دعم التكامل القانوني العربي، وتعزيز التعاون وتبادل الخبرات في القضايا الدولية، والعمل على بناء نموذج مهني عربي قادر على التفاعل الإيجابي مع التحولات القانونية والاقتصادية العالمية، دون فقدان هويته أو التفريط في خصوصيته التشريعية والثقافية.
كما كان للمؤتمر بعد إنساني ومهني مهم، تمثل في اللقاءات الجانبية والنقاشات المفتوحة مع كوكبة من الزملاء الأفاضل من مختلف الدول العربية، وهي لقاءات تؤكد أن ما يجمع المحامين العرب أكثر بكثير مما يفرقهم، وأن التحديات التي تواجه المهنة تكاد تكون مشتركة، وإن اختلفت حدتها من دولة إلى أخرى.
وبصورة خاصة، تشرفت بلقاء الأستاذ عدنان أبل، رئيس جمعية المحامين الكويتية ورئيس المؤتمر، والتقاط صورة تذكارية معه، في مشهد يعكس روح الأخوة المهنية والعمل العربي المشترك، ويجسد أهمية بناء جسور تواصل حقيقية بين المؤسسات القانونية العربية.
إن المحاماة العربية تقف اليوم أمام لحظة فارقة، لحظة تتطلب شجاعة في طرح الأسئلة الصعبة، وجرأة في مراجعة المسارات التقليدية، وإرادة حقيقية للإصلاح. فالمستقبل لا يُمنح، بل يُصنع بالحوار الواعي، والرؤية الواضحة، والعمل الجاد والمتراكم.
وهذا هو الرهان الحقيقي الذي نؤمن به، ونسعى إليه، ونمضي في طريقه بثبات، إيمانًا بأن المحامي العربي قادر، متى توفرت له البيئة التشريعية والتنظيمية المناسبة، على أن يكون فاعلًا أساسيًا في منظومة العدالة الدولية، لا مجرد تابع أو متلقٍ.
سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر

sss

شارك وارسل تعليق

أخبار مشابهة

أخبار مقترحة

بلوك المقالات

الصور

أخر ردود الزوار

الكاريكاتير

أخبار الدوري المصري

استمع الافضل